محمد هادي معرفة
186
التمهيد في علوم القرآن
وأمّا الروايات التي جاء فيها التصريح بآلات موسيقية ، وكانت دارجة ذلك العهد ، فجلّها أو كلّها ضعاف الأسانيد ومجاهيل لا حجّية فيها إطلاقا . إلفات نظر : نلفت النظر إلى البرهان القائل بأنّ القضايا المعلّلة بتعاليل عقلية أو فطرية لا تقبل أيّ استثناء ما دامت العلّة سارية . وإنما هي من القضايا الآبية من التخصيص ، نظرا لأنّ التعليل بمنزلة كبرى الاستدلال ، والعلّة هي الحدّ الوسط ، التي هي واسطة في الإثبات كما هي واسطة في الثبوت . وعليه فالموضوع في الحقيقة هو نفس العنوان الذي ذكر علّة للحكم . ولا يتخلّف الحكم عن موضوع يكون هو علّته ثبوتا وإثباتا لأنّ تخلّف المعلول عن علّته مستحيل . إذا ، فتحريم الغناء بما أنه معلّل بكونه لهوا باطلا فإنه يستدعي أن تكون العلّة الأصلية للتحريم هو كونه كذلك ( لهوا باطلا ) وعليه فكل غناء فهو لهو باطل ، وهذا هو السبب لتحريمه . وحينئذ فلو رخّص الغناء في مثل القرآن لكان ترخيصا لأمر لهويّ وباطل في القرآن ، الأمر الذي يرفضه العقل والوجدان . على أنّ قبح الباطل فطريّ لا يقبل الاستثناء أبدا ، وقد استقلّ العقل بقبحه . ولا سيّما وكونه مما يضلّ عن سبيل اللّه . فلو كان الغناء - بقول مطلق - معدودا من اللهو والباطل فإنه يستدعي أن يكون في القرآن وغيره على سواء في البطلان والتقبيح بلا فرق . إذا فلا محالة من القول بأنّ الغناء قد يكون باطلا لهويّا وقد لا يكون ، فالغناء في القرآن خارج بالتخصّص لا بالتخصيص .